سلِّ صيامك.. شيخ تعجّب منه الخليفة "المنصور".. وسارق دعا بـ"الستر" لصاحب المال!
سلِّ صيامك.. شيخ تعجّب منه الخليفة "المنصور".. وسارق دعا بـ"الستر" لصاحب المال!

ما الذي يجعل سارقاً يدعو بـ"الستر في الدنيا والآخرة" لصاحب المال المسروق؟ ولماذا تحوّل الخليفة أبوجعفر المنصور عن معاقبة شيخ في قضية إلى العفو عنه والإعجاب به؟ نكتشف الإجابات مع رحلة القصص والحكايات في كتاب "المستطرف في كل فن مستظرف" للمؤلف شهاب الدين محمد بن أحمد أبي الفتح الأبشيهي.

وفي الباب السادس والثلاثين عن العفو والحلم والصفح وكظم الغيظ وما أشبه ذلك، يورد "الأبشيهي" الكثير من قصص العفو والصفح، ومنها:

اتهام الشيخ وردّه

حُكي عن الربيع مولى الخليفة أبوجعفر المنصور صرح: ما رأيت رجلاً أربط جأشاً وأثبت جناناً من رجل سُعِيَ به إلى "المنصور" أن عنده ودائع وأموالاً لبني أمية (قيل للمنصور كذباً إنه يحتفظ بأموال وودائع أعدائه من بني أمية)، فأمرني بإحضاره، فأحضرته إليه، فقال له "المنصور": قد رُفع إلينا خبر الودائع والأموال التي عندك لبني أمية، فأخرج لنا منها وأحضرها، ولا أخفي منها شيئاً، فقال: يا أمير المؤمنين و(هل) أنت وارث بنى أمية؟ صرح: لا، صرح: فوصىٌّ لهم في أموالهم ورباعهم؟ صرح: لا، صرح: فما مسألتك عما في يدي من ذلك؟ صرح: فأطرق "المنصور"، وتفكّر ساعة، ثم رفع رأسه، وصرح: إن بني أمية ظلموا المسلمين فيها، وأنا وكيل المسلمين في حقوقهم، وأريد أن آخذ ما ظلموا المسلمين فيه، فأجعله في بيت أموالهم (أضع أموالهم في بيت مال المسلمين) فقال: يا أمير المؤمنين، فيُحتاج إلى إقامة بينة عادلة أن ما في يدي لبني أمية مما خانوه وظلموه، فإن بني أمية قد كانت لهم أموال غير أموال المسلمين (أريد دليلاً على أن هذا المال الذي أحفظه، أخذته بني أمية من الناس غصباً وظلماً)، صرح: فأطرق "المنصور" ساعة، ثم رفع رأسه، وصرح: يا ربيع ما أرى الشيخ إلا قد صدق، وما يجب عليه شيء، وما يسعنا إلا أن نعفو عما قيل عنه (صدق وعفونا عنه).

ليس عندي أموال بني أمية

ثم صرح "المنصور" للرجل: هل لك من حاجة؟ صرح: نعم يا أمير المؤمنين، أن تجمع بيني واوضـح من سعى بي إليك (أن أواجه من أبلغك عني كذباً)، فوالله الذي لا إله إلا هو ما في يدي لبني أمية مال ولا وديعة (ليس معي أموال أو ودائع لبني أمية)، ولكنني لما مثلت اوضح يديك، وسألتني عما سألتني عنه، قابلت اوضح هذا القول الذي ذكرته الآن واوضـح ذلك القول الذي ذكرته أولاً (فكرت هل أقول إن معي مالاً لبني أمية وأدافع عن وجوده، أو أن أنكر أن معي المال؟) فرأيت ذلك أقرب إلى الخلاص والنجاة (واخترت أن أقول إن معي المال وأدافع عن ذلك؛ لأنه أقرب للخلاص)، فقال "المنصور": يا "ربيع" اجمع بينه واوضـح من سعى به (وشى وأبلغ عنه كذباً(.

الغلام السارق الواشي

فجمعت بينهما، فلما رآه صرح: هذا غلامي اختلس ثلاثة آلاف دينار من مالي وأبقَ مني (هرب وخرج عن الطاعة)، وخاف من طلبي له، فسعى بي عند أمير المؤمنين، صرح: فشدد "المنصور" على الغلام وخوّفه، فأقرّ بأنه غلامه، وأنه أخذ (سرق) المال الذي ذكره، وسعى به كذباً عليه وخوفاً من أن يقع في يده، فقال له "المنصور": سألتك أيها الشيخ أن تعفو عنه، فقال: قد عفوت عنه وأعتقته، ووهبته الثلاثة آلاف التي أخذها وثلاثة آلاف أخرى أدفعها إليه، فقال له "المنصور": ما على ما فعلت من مزيد، صرح: بلى يا أمير المؤمنين إن هذا كله لقليل في مقابلة كلامك لي وعفوك عنى، ثم انصرف. صرح "الربيع": فكان "المنصور" يتعجّب منه، وكلما ذكره يقول: ما رأيت مثل هذا الشيخ يا ربيع.

الحكاية الثانية "سترتني سترك الله "

وحُكِي أن رجلاً زوّر ورقة عن خط الفضل بن الربيع تتضمّن أنه أطلق له (منحه) ألف دينار، ثم أتي بها إلى وكيل "الفضل"، فلما وقف الوكيل عليها (شاهدها)، لم يشكّ أنها خط "الفضل"، فشرع في أن يزن له الألف دينار، وإذا بـ"الفضل" قد حضر ليتحدث مع وكيله في تلك الساعة في أمر مهم، فلما جلس أخبره الوكيل بأمر الرجل، وأوقفه على الورقة، فنظر "الفضل" فيها، ثم نظر في وجه الرجل، فرآه كاد يموت من الوجل والخجل، فأطرق "الفضل" بوجهه، ثم صرح للوكيل: أتدري لم أتيتك في هذا الوقت؟ صرح: لا، صرح: جئت لأستنهضك حتى تعجل لهذا الرجل إعطاء المبلغ الذي في هذه الورقة، فأسرع عند ذلك الوكيل في وزن المال، وناوله الرجل فقبضه.

وصار الرجل متحيراً في أمره، فالتفت إليه "الفضل"، وصرح له: طب نفساً وامضِ إلى سبيلك آمناً على نفسك، فقبّل الرجل يد "الفضل" وصرح له: سترتني سترك الله في الدنيا والآخرة، ثم أخذ المال ومضى.

المصدر : سبق