الأربطة العلمية.. مقصد الطلبة الوافدين ومفخرة أهالي الأحساء
الأربطة العلمية.. مقصد الطلبة الوافدين ومفخرة أهالي الأحساء

ازدهرت الحياة العلمية في الأحساء خلال القرون العاشر والحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر والنصف الأول من القرن الرابع عشر الهجرية، وقد كانت بمدارسها ومساجدها وأربطتها مقصد طلبة العلم الذين كانوا يجدون الحفاوة والرعاية من أُسر الأحساء وعلمائها أمثال آل الشيخ مبارك، وآل عبداللطيف، وآل أبي بكر الملا، وآل عبدالقادر، وآل عمير، وآل عثمان، وغيرها من بيوتات العلم.

وقد غلب على الدروس في تلك المدارس علوم الشريعة، واللغة، والعناية بحفظ القرآن الكريم، والسنة الشريفة، وقد توزعت وسائل العناية بأسباب تلك النهضة على المدارس العلمية التي عنيت بتدريس العلوم الشرعية واللغوية والتاريخ، مع الاهتمام بالوعظ والإرشاد، ومن تلك المدارس التي بقيت حتى أواسط القرن الرابع عشر الهجري: الشهارنة، والشريفة، والصالحية، والشلهوبية، والجديدة.

ومن أركان وآليات النهضة التي تميزت بها الأحساء أيضا الأربطة العلمية، حيث كانت تٌعنى برعاية طلبة العلم الوافدين إلى الأحساء، وتوفر لهم المسكن والطعام والشراب حتى يتفرغوا لطلب العلم بجد واجتهاد.

وكانت أسرة أبي بكر الملا في صدارة الأسر التي اهتمت بالأربطة، يعاونها في ذلك بعض الأثرياء ورجال الخير والصلاح، كما اضطلعت المساجد والمدارس الشرعية في ذلك الوقت بدور فاعل وحيوي في عرض الثقافة الدينية وعلوم الشرع واللغة.

واضاف د. أبو بكر انه تصدر كثير من أبناء الأسرة لتولي مهام القضاء والإفتاء في بلاد الأحساء وخارجها، فيما أدى رحيل الأسرة من العلماء إلى الحجاز حيث بلاد الحرمين وغيرها إلى سعة معارفهم، وتنوع ثقافاتهم، وروافد فقههم لعلوم الدين والدنيا فضلا عن اتساع دائرة معارفهم وأحبابهم في شرق بلاد العالم وغربها، الأمر الذي زادهم معرفة وتسامحا وإلماما واسعا بمعارف شتى. ولذا خلف لنا علماء أسرة أبي بكر الملا المؤلفات والمصنّفات الكثيرة عبر العصور والأجيال في مختلف جوانب الفكر والمعرفة، وقد تركوا لنا من الآثار والمؤلفات المتعددة في مجالات المعرفة والفنون ما يربو على مائتي مؤلف ما اوضح التصنيف والاختصار والتحقيق.

وقد نهج علماء الأسرة في مؤلفاتهم ومناقشاتهم لقضايا الفكر منهجا وسطا الأمر الذي ساعد على انتشار مؤلفاتهم وآرائهم في مختلف أرجاء العالم الإسلامي، حيث تلقاها العلماء والقارئون والباحثون من العالم الإسلامي بالرضا والقبول.

وحول الرباط يضيف أبو بكر أنه وفي أواخر القرن الثالث عشر الهجري، زاد إقبال الوافدين إلى الأحساء من المناطق الأخرى ودول الخليج العربي ودول أخرى من مختلف أنحاء العالم بغرض طلب العلم في مدارسها وحلقات مساجدها ولم يكن باستطاعة الجميع تأمين المسكن والمأكل طيلة فترة الدراسة مما لجأ بعضهم إلى العودة إلى بلادهم قبل إتمام المهمة التي جاءوا من أجلها. ولم يقف رجال العلم العامرة قلوبهم بالإيمان والتقوى موقفا سلبيا تجاه هذه المشكلة فقام الشيخ عبدالله بن الشيخ أبي بكر بن الشيخ محمد بن الشيخ عمر الملا عن نفسه وبوكالته عن بعض رجال الخير كالحاج عبدالله والحاج سليمان ابني المرحوم حمد بن عيسى ببناء الرباط في محلة الرويضة بالكوت عام 1284هـ في موقع مناسب قريب من المدارس والمساجد التي تقام فيها دروس العلم.

واوضـح د. أبو بكر أن المبني مكون من طابقين، يتكون الواحد من عدة حجرات من الجهات الأربع أمامها أروقة وتتوسطها ساحة مكشوفة وجناح شرقي يشتمل على بئر الماء والمطابخ والمرافق الأخرى، والمواد المستخدمة في البناء هي الجص والحصى وأسقفه وأبوابه من أخشاب الأشجار المحلية وجذوع النخيل. وشكل المبنى منسجم مع المباني المحلية من حيث الطراز المعماري، يبين كيفية تمويل الرباط من محصول مزارع الأرز وبساتين النخيل والنفقات المتنوعة، وخصص ثلثا المحصول لنفقات الطلاب المقيمين فيه والغرباء عابري السبيل والثلث الباقي للقائمين على خدمة هؤلاء فكان بمثابة القسم الداخلي لطلاب العلم وبه قسم مخصص لعابري السبيل من الفقراء الذين يأتون من الهند وباكستان وبلاد فارس بقصد الحج إلى بيت الله الحرام، ويؤمن لقاطنيه من الدارسين والوافدين وعابري السبيل الأكل نهارا وليلا.

وكان الشيخ عبدالله بن الشيخ أبي بكر المتقدم ذكره أول ناظر للرباط حتى وفاته سنة 1309هـ وتولى النظارة بعده ابنه الشيخ أبو بكر، وفي عهدهما شهد الرباط نشاطا علميا وثقافيا مكثفا فكانت تقام فيه بعض الدروس نهارا والمساجلات الشعرية والمسامرات الثقافية اوضح الطلاب ليلا، كما كان مكانا يقوم فيه طلاب العلم بمراجعة الدروس التي تم تحصيلها في المدارس الشرعية والحلقات المقامة في المساجد وأيضا يقومون بالتحضير للدروس اللاحقة.

نوه د. أبو بكر إلى أنه كانت هناك عناية فائقة بقاطني الرباط من طلبة العلم سواء من الوافدين أو الدارسين من الأحساء، وأذكر من الطلبة الوافدين: الشيخ عبدالله بن الشيخ إبراهيم الأنصاري مدير الشئون الدينية بدولة قطر والشيخ أحمد بن حجر أبو طامي القاضي بدولة قطر، والشيخ سعيد العماني من علماء عمان، والشيخ محمد اليافعي والشيخ عبدالله بن عبدالرحيم العبادي من علماء الحرم المكي، والشيخ محمد سلطان العلماء والشيخ سيف بن هلال وابنه الشيخ محمد ضوء المدرس بالحرم المكي، والشيخ عبداللطيف بن سعد رئيس محاكم البحرين، والشيخ يحيى الكمالي قاضي فارس، والشيخ يوسف الصديقي قاضي البحرين، والشيخ محمد بن خلف قاضي الفاو، والشيخ عبدالرحمن الكويتي قاضي الجبيل ثم الكويت، والشيخ كرم البلوشي قاضي البلوش، والشيخ يعقوب البلوشي قاضي البريمي، والشيخ عبدالرحمن المهزع قاضي البحرين.

ومن أهل الأحساء: الشيخ عبدالله عبدالرحمن الملا صاحب مكتبة التعاون الثقافي قبل سفره للدراسة بالجامعة الإسلامية بالهند، والشيخ عبدالعزيز العبيد الله، والشيخ عبدالله بوشبيب والشيخ عبدالعزيز العكاس والشيخ عبدالعزيز بن عبداللطيف الجعفري والشيخ أحمد بن عبداللطيف الجعفري، والشيخ عبدالعزيز المصطفى والشيخ محمد بن عبدالرحمن الجعفري والشيخ عبداللطيف بن حمد النعيم والشيخ عبدالله والشيخ محمد والشيخ عبدالرحمن والشيخ أحمد أبناء الشيخ أبي بكر الملا وكذلك أبناؤهم وكثير من أبناء أسرة أبي بكر الملا.

وصادف ذات مرة أن تخلف الشيخ أبو بكر عن حضور الدرس بالرباط بسبب وعكة صحية فأرسل إليه تلميذه الشيخ عبدالعزيز العكاس قصيدة مكونة من خمسة عشر بيتا صرح فيها:

هتون مزن بوبل ظل منسكبا

فمسمعي صمم لا يصغي لما كتبا

كما أبو بكر فاق السادة النجبا

لصوته رقصت طير السماء طربا

أوضح أبو بكر أن الشيخ عبدالله بن الشيخ أبي بكر -المتوفى سنة 1352هـ - كان يسـاهم زملاء طلاب الرباط الإقامة جل وقته ويحضر إليهم ليلا ويداه مبسوطتان يتفقد أحوالهم ويسأل كل فرد منهم عن حاجته الأمر الذي جعلهم لا يشعرون بالغربة بل كانوا يحسون وكأنهم اوضح أهليهم وذويهم وكان للشيخ عبدالله شأن كبير ومكانة مرموقة، وكان يرتب شئون رحلاتهم الترفيهية إلى بساتين النخيل أيام الثلاثاء والجمعة، والأماكن التي اشتهرت بها الأحساء كمسجد جواثا، وقد توفي رحمه الله في حياة والده فافتقده الرباط وحزن عليه زملاؤه لما كان يتصف به من كرم الأخلاق وجميل الخصال ثم خلفه أخوه الشيخ محمد حيث كان خير خلف لخير سلف لما يتمتع به من مكانة علمية واجتماعية فاستمر فيه حتى وفاته عام 1395هـ.

وفي هذه الأيام توجه أبناء الأسرة لمواصلة مسيرة أجدادهم فعملوا على ترميم الرباط وتهيئته للغرض الذي بني من أجله.

كان للرباط منذ إنشائه عام 1284هـ صيانة منفصلة ومختلفة لكنها كانت صيانة محدودة إلا أنه في عام 1430هـ أجريت صيانة متكاملة وتحديث لما يناسب العصر الحديث مع بقائه على الطراز القديم وعلى توزيع الغرف المخصصة لطلاب العلم واستمر ترميمه لمدة سنتين تقريبا حتى ظهر بالشكل الحالي.

استمر أبناء هذه الأسرة بالدور الريادي الذي كان يقوم به الرباط وتم تفعيله بما يضمن استمراره منارة إشعاع، فأصبح تقام فيه بعض الدروس واستقبال بعض طلبة العلم من بعض دول الخليج لحضور جزء من الدروس الشرعية التي ما زالت تقام في المدارس الشرعية والمساجد.

image 0

الشيخ أبو بكر يشير إلى بعض الفوانيس التي صممت بالشكل القديم

image 0

.. ويعطي المحرر لمحة عن مدخل الرباط

image 0

حجرة أحد الطلاب بالرباط

المصدر : صحيفة اليوم