قصة «مجانين الشوارع» في مصــر.. بين السياسة والفلسفة والجرائم
قصة «مجانين الشوارع» في مصــر.. بين السياسة والفلسفة والجرائم

«عندما يملأ الحق قلبك تندلع النار إن تتنفس ولسان الخيانة يخرس» *الشاعر المصري أمل دنقل في قصيدة (لا تصالح)

ربما أمكننا التصرف قليلًا، لنصل ببعض الملاحظات الإنسانية إلى أن هناك احتمالًا آخر بخلاف أن تندلع النار إن تتنفس حينما يملأ الحق قلبك، وهذا الاحتمال الآخر هو أن تسير في الشارع حافي القدمين مهترئ الملابس، شعرك وذقنك غير مهذبين، ولا تهتم أبدًا بما تتفوه به أمام الناس، ولا أين موضع قدميك، ولا ما الجروح التي ربما تصيبها في خطواتك غير المدروسة.

ربما كان دنقل سيغير أبياته الشعرية إذا عرف مجدي، هكذا كانوا ينادونه في حي شبرا بالقاهرة، حيث كان يتجول طوال نهاره، وينام على الأرصفة ليلًا، ولا أحد يعرف ما هو اسمه الحقيقي، كل ما يعرفه الناس عنه هو أنه «ابن ناس جدًا»، وكان في يوم من الأيام شابًا مهندم الثياب أنيقًا، متعلمًا، مثقفًا، لكنه أصيب بلوثة عقلية – على حد وصفهم – بعد تعرضه لخسارات متكررة في عمله الذي كان يتفانى فيه.

كان مجدي يسير بخطوات ثابتة متيقنة أنه في طريقه لنجاح مدوٍ وثروة هائلة بمشروعه الصغير في هندسة السيارات، كان حلمه في عمله يملأ قلبه وحياته، لم يصدق نفسه وهو يخسر كل شيء جراء التعرض لعمليات نصب متكررة، وتعرضه لكثير من المشكلات المهنية المتلاحقة التي أفقدته صوابه.

لم يستطع أحد من عائلته التي كانت مكونة من والديه وإخوته من التعامل مع حالته، كانوا يحبسونه في البيت خوفًا من أن يكتشف أحد الجيران حالته، إلى أن أصبح يأتي بأفعال مؤذية للجيران من شباك غرفته، ضاق حال الأسرة به، خاصة بعد أن بدأ يفتح باب المنزل ويختفي بالأيام، ولا يعرف أحد عنه شيئًا، إلى أن يعود به للبيت أحد الجيران، ثم اختفى لا يعرف أحد عنه شيئًا.

فلاسفة وسياسيون

اوضح فلاسفة وسياسيين تنوع مجانين الشوارع في ، يسير البعض منهم يدلي بآرائه الفلسفية، والبعض الأخر بآرائه السياسية، وآخرون يكتفون بالتخبط وفعل سلوكيات شاذة والتفوه بأقوال غير مفهومة، وآخرون لا يفعلون أيًا من هذا، ويكتفون بالشرود والنظر إلى وجوه المارة مغرقين في التفكير في عالمهم الخاص الذي لا يعلمه أحد سواهم. فبين كل هذا تنوع المرضى العقليون في مصر، وتعددت تصرفاتهم وسلوكياتهم.مجانين الشوارع

مجانين الشوارع

وكان من أشهر من ربط خلطة المجنون الفيلسوف السياسي، كان جمال الدولي، الذي ربما يكون هو أول من ابتدع الجرافيتي وفن الشوارع، بما كانت تخطه فرشاته من شعارات على أسوار المنشآت بمدينة الإسكندرية في الثمانينات والتسعينات، والذي كان يعرفه أهالي الإسكندرية بأنه عاشق الاتحاد السكندري إلى حد الجنون.

في مقال عن جمال الدولي بجريدة الأهرام المسائي يقول الكاتب أحمد أبو المعاطي «ظل جمال الدولي على مدى سنوات، يحمل فرشاته ليسجل على الجدران في شوارع مدينة الثغر قصة عشقه للاتحاد السكندري، بأسلوب لم يخل من خفة دم رائقة، فتارة يكتب الاتحاد عمهم وحابس دمهم، وتارة أخرى يكتب جمال الدولي يحب بابا وماما والاتحاد وليلي علوي، قبل أن يستيقظ الإسكندرانية ذات صباح على قراره الصادم.. انتخبوا جمال الدولي رئيسًا للجمهورية».

الذين يعرفون جمال عن قرب، يقولون إنه اختفى لأكثر من خمسة أشهر، بعد تلك المزحة، والتي يبدو أنها قد أزعجت جهات عدة في الدولة حينذاك، ويقولون إنهم فتشوا عنه في جميع أقسام الشرطة والمستشفيات، دون أن يعثروا له على أثر أو حتى جثمان، قبل أن يعلن الدولي فجأة عن عودته من جديد، عندما استيقظ الناس ذات صباح، ليجدوه قد أعلن سهمًا باللون الأزرق إلى جملته السابقة، لتصبح انتخبوا جمال الدولي « نائبا» لرئيس الجمهورية!

يضيف أبو المعاطي «لم تتوقف تحولات جمال الدولي عند حد طموحه في الترشح نائبًا للرئيس، لكنها امتدت لتطال الحرامية والفاسدين في المحليات من لصوص الأراضي في مدينة الثغر، فلم يعتبر غريبًا مثلًا أن يصافح شعاره «من أين لك هذا يا حرامي؟» عيون العابرين، وقد كتبه على سور أحد القصور المنيفة التي ظهرت فجأة على الكورنيش لتطل على زرقة المتوسط، أو أن يكتب على جدار برج سكني ارتفع بالمخالفة للقانون «متر الوطن بكام؟»

ويواصل أبو المعاطي بالقول «قبل ما يزيد عن عشر سنوات، اختفت شعارات جمال الدولي تمامًا من شوارع الإسكندرية، وتحولت قصة اختفائه إلى مثار أسئلة عديدة، وتراوحت الإجابات ما اوضح قائل بأنه قد لقى ربه، أو أنهم اقتادوه مرة أخرى إلى مستشفى المجانين في العباسية، وهي الحقيقة التي خبرتها من مصادر طبية موثوقة، في تحقيق أجريته منتصف التسعينات لصحيفة العربي، عندما اقتادوه في المرة الأولى ليلحق بنحو خمسة آخرين، قرروا وقتها الترشح لرئاسة الجمهورية في مقابلة مبارك، متحدين نظام استفتاءات الـ99% الشهير».

مجانين الشوارع

وعلى خطى جمال الدولي يسير مختل عقليًا آخر في منطقة كوبري القبة بالقاهرة شارك الدولي في مكانة المجنون الفيلسوف السياسي، وإن لم يحظ بنفس القدر من شهرة جمال الدولي، ذلك الشخص يتجول مرتديًا ملابس متواضعة جدًا، ويحمل بعض المستندات والأوراق التي لا يعرف أحد ما تحويه، وإن كانت الناس في الشوارع التي اعتاد المرور بها يرددون أن ليس بها شيء هام؛ لأنه لو كان بها، فلن يتركها أحد في أيدي مجنون يسير بها في الشارع بشكل يومي.

يتجول بأوراقه التي لا يعلم أحد غيره ما تحويه، ويردد جملة واحدة ثابتة، تتكرر ولا تتغير،  وهي: «مال الشعب للشعب يا حرامية الشعب» إذا راقبت عيون الناس وهي تنظر إليه؛ ستجد خليطًا من الفضول لمعرفة ما قصته التي أفقدته صوابه، والخوف من الجملة التي يكررها بلا كلل ولا ملل وكأنهم يودون الهروب من مجرد النظر إليه، وستجد أيضًا من يحاول أن يمنعه من الاستمرار في ترديد جملته الثابتة حتى لا يؤذي نفسه، ويجد نفسه اوضح أيدي أجهزة أمنية لا ترحم، لكنه يرفض تجارب أي شخص لإثنائه عما يفعل ويسير في طريقه قائلًا ما يشاءه.

قنابل موقوتة ومسؤولية مجتمعية

في مقاله الصحافي بجريدة الأهرام يقول الكاتب أحمد البري «مجانين الشوارع قنابل موقوتة ويحملون معهم كل أنواع الجرائم والأذى لأنفسهم وللمجتمع، وهم مرضى نفسيون يستحقون كل رعاية وعلاج، مثل كل المرضى فى مجالات عضوية جسدية، وهم قبل وبعد كل هذا آدميون لهم حقوق الإنسان بكل أبعاده، إنهم يحملون أنواعًا مختلفة من الأمراض، مثل الفصام العقلي (الشيزوفرينيا) والتخلف العقلي (نقص الذكاء) واضطرابات الشخصية (الانحرافات السلوكية)، مثل أنماط الشذوذ والميل إلى العدوان والسعى وراء ارتكاب الجرائم، وغيرها؛ مما يدل على تدهور أبعاد الشخصية وضياع الإرادة التي تحكم وتضبط سلوكهم».

مجانين الشوارع

على هذه الحالات يُعلق دكتور.حسام الجارحي – إخصائي التوجيه والارشاد بالعيادة النفسية بجامعة عين شمس-  لـ«» قائلًا: «هناك خلط لدى الناس اوضح المرض النفسي والمرض العقلي والاضطرابات السلوكية، فجميعنا معرضون للإصابة بأحد هذه الأشياء الثلاث، ولكن الذي يجعل شخصًا ما يصاب بمرض نفسي أو عقلي دون غيره هو مدى وجود استعداد مرضي لديه، والاستعداد المرضي يعود إلى عدة أسباب، مثل الوراثة والبيئة وطبيعة الشخصية».

كما أن هناك سببًا رئيسيًا من أسباب الإصابة بالمرض، وهي ظروف المجتمع الحالية والضغوط الضخمة التي يعرض أفراده لها، فقد يكون هناك عشرات الآلاف لديهم استعداد نفسي للمرض، ولكنهم يحيون في هدوء، إذا كان المجتمع لا يعاني من أي ضغوط، ففي هذه الحالة يتلاشى الاستعداد النفسي للمرض، أما في ظل ضغوط المجتمع، فإن الاستعداد المرضي يتحول إلى مرض فعلي.

فالأزمات الطاحنة التي يمر بها المجتمع من بطالة وعنوسة وفقر وغلاء لا تترك آثارها المادية الملموسة فقط، ولكنها تترك أيضا آثارًا نفسية، حيث تؤثر على الخصائص البشرية في المجتمع وتُعرض أفراده لاستهلاك أعصابهم وطاقاتهم النفسية».

وخلال مؤتمر الأمانة العامة للصحة النفسية، والذي انعقد في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2015، وبمناسبة اليوم العالمي للصحة النفسية، حيث طرحت الكثير من الأرقام المفزعة حول معدلات انتشار الأمراض النفسية في مصر، والتي تتراوح ما اوضح 15 إلى 20%، أي تتراوح أعداد المرضى اوضح 14 و18 مليون شخص.

وأما أعراض القلق والاكتئاب والخوف، فيصاب بها حوالى 50-60% من الشعب المصري على مراحل متفاوتة خلال العام، وتظل مدة قصيرة، يتخلص منها الإنسان بعد ذلك.

الحلم يقود للجنون أحيانًا

في حالة مجدي التي ذكرناها سابقًا، فإن امتلاءه بحلمه هو ما قاده للجنون، وهو ما اتفق مع حادثة أخرى عُرفت باسم حادثة «مجنون الزقازيق»، تتداول وسائل الإعلام خبرًا مختصرًا نصه ما يلي: «مختل عقليًا يقتل سيدة ويصيب آخرين بمحطة قطار الزقازيق».

مجانين الشوارع

ويُعرف فيما بعد أن مجنون محطة الزقازيق هذا كان شخصًا عاقلًا ومتزنًا، ومن أسرة كادحة وفقيرة للغاية، وأنه تخرج في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية وحصل منها على البكالوريوس مع مرتبة الشرف وبعدها تقدم للالتحاق بالسلك الدبلوماسي ليكون موظفًا، ثم «سفيرًا».

هكذا كانت أحلامه، إلا أن الوساطة أغلقت الدنيا أمام عينيه وحولته إلى مختل بعدما ضاع أمله في الحياة بعد رحيل والدته وزواج والده من امرأة قاسية طردته إلى الشارع، ليصبح فيما بعد خطرًا يهدد المجتمع الذي لم يرحمه ولم يترك له حلمه ليقتات عليه، بعدما تهدمت قدريًا حياته الأسرية.

وعن سبب خروج هؤلاء للشارع يقول دكتور حسام الجارحي: «للأسف لا يوجد لهم مكان في مستشفيات ومصحات الأمراض العقلية، فبعد أن زادت أعداد المرضى وتعرضت مستشفيات الأمراض العقلية لازدحام شديد، أخذ مديرو هذه المستشفيات قرارًا بإخراج الحالات المزمنة الميئوس من علاجها، والتي لن تسبب خطورة على الناس إلى الشارع، وقد ساعدهم على ذلك بالطبع عدم وجود من يسأل عنهم أو يتابعهم من ذويهم، ولكن لم يسر الأمر على ما يرام، وباءت توقعات السادة المسؤولين بالفشل، فسبب المرضى الذين تم إطلاق سراحهم خطرًا على الناس في الشوارع».

ويضرب الجارحي مثلًا حينما قام أحد المختلين عقليًا منذ عامين بالصعود إلى عربة السيدات في مترو الأنفاق، وخلع ملابسه عنه؛ مما سبب حالة فزع وهرج في العربة، هذا بالإضافة إلى حدوث حالات اعتداء أخرى، وعندما تنبهوا للأمر حاولوا جمع المرضى مرة أخرى، لكنهم بالطبع لم يتمكنوا إلا من جمع القليلين، والمشكله الأكبر- من وجهة نظر الجارحي –  أن عدد المرضى يزداد يومًا بعد يوم، والمستشفيات أصبحت لا تقبل استلام أي مريض إلا بوجود الشرطة.

جرائم لا نهائية باسم «المختلون عقليًا»

ترصد دكتورة نسرين البغدادي – أستاذ علم الاجتماع – لـ«صحيفة الندى» بعض المخاطر الأخرى قائلة: «الاستغناء عن رعاية أية فئة من الفئات الأكثر احتياجًا للرعاية والحماية في المجتمع يُعرض المجتمع بأكمله لأضرار بالغة، فهذه الفئة قد تضر بنفسها أو بالمحيطين بها، كما أنها قد تُعرض للاستغلال، وتتورط في أمور أكثر سوءًا كاستخدامهم في التجارات المشبوهة، كالمخدرات والسلاح وغيرها لأنهم غير مدركين لشيء».

كما أن الإعلام مسؤول عن شيء آخر وهو توعية الناس بالفارق الكبير اوضح المرض النفسي والعقلي، فللأسف أن الناس يعتبرون أي خلل في السلوك حتى لو كان بسيطًا هو ضرب من الجنون، فإذا تعرض أحد أفراد الأسرة للإصابة بمرض نفسي ما فإنهم يهملونه ويتخلون عنه؛ مما يجعل حالته تزداد سوءًا، وقد تتطور من كونها مرضًا نفسيًا إلى كونها مرضًا عقلي، ومن كونها مرضًا عقليًا يمكن علاجه إلى مرض عقلي ميؤوس منه».

ويرصد أحمد البري في مقاله عن مجانين الشوارع  أحوال مستشفى الخانكة، والتي تُعد أكبر مستشفيات الصحة النفسية وأعرقها تاريخيًا، ويقع في مساحة مائة وثمانين فدانًا – غير المساحات التي تم استقطاعها سابقًا –  ويستوعب حاليًا ألفين ومائة وتسعين مريضًا، منهم سبعمائة مريض مودع بأوامر قضائية، بعد إدانتهم في ارتكاب جرائم أغلبها جرائم قتل، وتدوم إقامتهم بالمستشفى لأكثر من عشر سنوات، ويتم فحصهم أسبوعيًا بواسطة لجنة خاصة بالطب الشرعي لإقرار مدى صلاحيتهم للخروج من المستشفى من عدمه حسب قانون حقوق المريض النفسي.

يقول البري: «أغلب مساحات هذا المستشفى العريق مهملة وغير مستغلة وبه مبنى لأمراض الشيخوخة استولى اللصوص على أبوابه وشبابيكه، وأصبح خرابًا، وبه أيضًا عدة مبان إدارية وسكنية غير مستعملة.. وأما بقية الأرض فهي صحراء جرداء، ومرتع للحيوانات الضالة واللصوص وتجار المخدرات، ويعمل بالمستشفى قرابة ألف ومائتا موظف، ما اوضح طبيب وصيدلى وإداري وعامل، ومن الممكن أن يستوعب أضعاف هذا العدد من العاملين إذا أحسن استخدامه».

ويضيف البري: «الحقيقة التي لمستها، حيث إنني أزور المستشفى بحكم موقعي كمسؤول في الطب الشرعي النفسي، أن حال هذا المكان يرثى له، وإذا دلّ ذلك على شيء فإنما يدل على غياب وعي الحكومات والمسؤولين عنه وعن استغلاله الاستغلال الأمثل والذي يمكن أن يجنب الوطن محنة الجرائم والصورة البائسة للشارع المصرى بوجود هؤلاء الشاردين المشردين الفاقدين للأهلية والأهل والتائهين فيه».

المصدر : ساسة بوست