لماذا لا نكون مثل هدير؟
لماذا لا نكون مثل هدير؟

شهدت مواقع التواصل الاجتماعي حالة من الاختلاف حول قضية «هدير مكاوي» التي عرفت بلقب Single  mother ، وبالرغم من عدم أحقيتي في الحكم على الآخرين أو مناقشة تفاصيل حياتهم التي لا تخص سواهم، إلا أنني سأتحدث بشكل عام، والكلام هنا غير موجه لهدير بشخصها، وإنما للمجتمع بشكل عام.

هدير ليست أول أو آخر فتاة تنجب ابنا لا يعترف به والده، ولكنها كانت الأكثر جرأة، وفضلت مقابلة المجتمع، بدلًا من الاختباء منه، كان يمكنها ببساطة ان ترمي به أمام ملجأ أو مسجد؛ ليكون واحدًا من ضمن مئات الآلاف من أطفال الشوارع.

من المفترض أن يحب المجتمع بعضه بعضًا، نحاول أن نساعد بعضنا البعض لتخطي الأزمات، نغفر أخطاء الآخرين، ونمنحهم الفرصة لتعديل مسار حياتهم، لا أن نحاكمهم، ونطالب بذبحهم في ميدان عام، لمجرد أنهم اعترفوا بالحقيقة، فغياب التآلف والرحمة عن المجتمع في غاية الخطورة، وكفيل بإنهاء أية محاولة للإصلاح المجتمعي.

شخصيًا، أرى هدير ضحية، فهي فتاة أحبت شابًا خدعها، وتركها برفقة رضيعها، لم تحب هدير رجلًا حقيقيًا يتحمل مسئولية أفعاله، فقمنا بلوم هدير؛ الطرف الأضعف كعادتنا.

لو نظرنا من زاوية أخرى؛ فبالتأكيد إن ذلك الشاب الذي تركها وحيدة ليس سعيدًا بما آلت إليه الظروف، وقد أصبح له ابن ولد في هذا الوضع المأساوي، هذا إذا ما افترضنا أنه إنسان طبيعي يشعر ويتأثر، لكن ما فعله زوج هدير يتحمل مسئوليته المجتمع والدولة، فالدولة التي لم تقم بدورها في توزيع عادل للثروة؛ نتج عنه صعوبة أو استحالة الزواج، ساعد – وهو أمر غير مبرر – بصورة كبيرة على انتشار ظاهرة الشباب الذين يخدعون الفتيات من أجل الحصول على الجنس، إن الاحتياج الجنسي لا يقل أهمية عن الأكل والشرب، بل إنه يتجاوزه في بعض الأحيان، إنها غريزة خلقنا الله بها، وإذا ما حرمنا منها، فلك أن تتخيل أي شيء، إن الحرمان من الاحتياجات الرئيسة للإنسان قد يؤدي إلى تصرفات قد تصل إلى حد الاكتئاب والقتل والانتحار، فما بالك بجيل كامل عاجز عن الاستمتاع بحياته الجنسية؟ أكرر، إن هذا لا يبرر الفعل، ولكنه سبب رئيس لوجوده.

مجتمعنا مجتمع منافق ومتناقض، فجميعنا يعلم أن جميع أصدقائنا من الذكور يمارسون الجنس، أو سيمارسونه إذا ما أتيحت لهم الفرصة، فلماذا نلوم الفتيات، ولا نلوم الشباب ؟ شخصيًا، أنا أثق أن نسبة لا بأس بها من  الذكور الذين يلومون على هدير قد مارسوا الجنسي خارج إطار الزواج، أو على الاقل لن يترددوا إذا ما أتيحت لهم الفرصة.

الطفل هو الضحية الأكبر، ليس لأن والدته Single Mother، بل لأنه ولد في مجتمع جاهل ومتخلف.

من صرح إن مغالاة الأهل هي السبب في عدم زواج الشباب؟ إن الأزمة تكمن في عدم استقلالية الأبناء الذين تجاوزوا سن 21 فهل يعقل أن يتحكم الأهل في مستقبل أبنائهم وهم في العقد الثالث والرابع من حياتهم! ما زال الأهل يفرضون على أبنائهم أسلوب حياتهم، ويتحكمون في حياتهم بشكل كامل، إن الأب الذي يرفض أن يزوج ابنته لان الشاب غير جاهز، يتخذ قراراته الاقتصادية غير آبه لاحتياجات ابنته الجنسية والعاطفية، ولكننا كالعادة نلوم الفتاة ولا نلوم والدها.

الدولة هي التي تتحمل المسئولية الأولى، فمن المفترض أن يكون الشباب قادرًا على الزواج بمجرد دخوله سوق العمل، لا أن يمضي نصف حياته في محاولة يائسة في شراء شقة للزواج بها، إن ذنب هدير وزوجها وابنها في رقبة كل من سولت نفسه وسرق مقدرات هذا الشعب وترك شبابه عاجزًا عن تحقيق أبسط احتياجاته.

هناك من يرى أن الحل في تقنين الدعارة، لكنني شخصيًا أرفض المصطلح؛ نظرًا لأني أصنفه ضمن الإتجار بالبشر، مع العلم أن معظم من سيرفضون المصطلح لأسباب دينية، ربما يتقبلون فكرة الجواري وملك اليمين لأنها تتوافق مع الدين، بالرغم من ان الثانية أكثر بشاعة من الأولى.

أعتقد أن مسئولية الدولة لا تكمن في إنشاء جهاز كامل «شرطة مكافحة الآداب» من أجل مطاردة الشباب الذين يشبعون رغباتهم الجنسية أو يقيمون علاقات خارج إطار الزواج، ففكرة شرطة الآداب هي فكرة سخيفة، وأنا أرى أنها إهدار للمال العام، فهل من المنطقي أن أخصص جهازًا كاملًا لمراقبة الأعضاء التناسلية في المجتمع! من المستحيل أن ينجح أي مخلوق في تحقيق رقابة من هذا النوع، حتى في السعودية نفسها التي تفرض أقصي أنواع الرقابة والفصل بين الإناث والذكور، تسجل العديد من الانتهاكات، وما لا يعرفه الكثيرون أن الرجل هناك بمجرد زواجه يستخرج  بطاقة عائلية تسمح له بحجز غرفة في فندق مع أية امرأة، ودون التحقق من شخصيتها، وهو ما يتيح للرجل الذي يمتلك هذه البطاقة أن يصعد بأية امرأة، ويمارس معها علاقة غير شرعية بكل سهولة، أما إيران فهناك زواج المتعة، الذي يتيح لصاحبه كتابة عقد زواج للمدة التي يحددها، يوم، شهر، سنة، ثم تنتهي بعدها العلاقة، هل هذا النوع من العلاقات يرضي المجتمع؟ لماذا نستمتع بالضحك على أنفسنا! هذه أمثلة من دول تزعم أنها تطبق الشريعة الإسلامية، أما نحن في مصر، وبالرغم من أن دستورنا ينص أننا دولة مدنية، لا نسمح للشباب بممارسة أي نوع من العلاقات الجنسية، فنغلق أمامه جميع المنافذ، وفي النهاية نتعجب من قصة مثل قصة هدير.

دور الدولة الحقيقي يكمن في وضع قوانين مقننة لمثل هذه الحالات، ولا أعتقد أنه من حق الدولة التعدي على حرية الأفراد والتحكم في أجسادهم، ولكنها يمكن أن تضع اطرًا قانونية لحماية الأطفال الذين ينجبون دون زواج رسمي، بحيث تجبر الأب على الاعتراف بابنه، و الزواج من والدته، مع الالتزام بكل احتياجاته المادية أو المعنوية، فإذا اختار طرفان التحكم في اجسادهم كيفما شاءوا، فهذا لا يعني أن لهم الحق في أن يأتيا للعالم بمولود دون أن يقوما بواجبهما تجاهه، فإذا كانت رغبتهما عكس ذلك، كان لزامًا عليهما منع الحمل، وفي حالة حدوثه بالخطأ فأعتقد أن الإجهاض في الشهور الاولى قبل تكون الجنين هو الحل.

بالنسبة لمن يشهرون مصطلح «الزنا»، فأولا الزواج في الإسلام لم يكن مقترنًا بعقد زواج أو بمأذون فكلها أمور مستحدثة، لماذا تقررون محاسبة الناس بمعاييركم؟ دعوا الخلق للخالق.

من وجهة نظري، الحل في الزواج المدني، فلماذا نفرض على المواطنين الزواج وفقًا لدين معين ؟ ماذا لو أرادت مسلمة الزواج من مسيحي؟ ماذا لو أرادت ملحدة أو لا دينية الزواج من شاب أو العكس؟ لماذا نفرض على الناس قيود دينية ربما لا تعني لهم شيئًا؟ لماذا لا نتيح قانونًا زواجًا مدنيًا يختار فيه الطرفان الشروط التي يرغبون في وضعها؟ فمن يريد زواجًا وفق الشروط الإسلامية فله ذلك، ومن لا يريد فله ذلك أيضًا ؟

صديقي الغاضب من الـ Single Mother، أرجو قبل أن تهاجم هدير، وتنعتها بأبشع الألفاظ والأحكام، أن تقوم بفعل ذلك أمام صديقك مفتول العضلات الذي يصارحك يوميًا على القهوة بأنه يمارس علاقات خارج إطار الزواج.

أخيرًا، أرجو أن نكون جميعًا مثل هدير، وأن نصارح أنفسنا بعوراتنا وحقيقتنا، كنت أتمنى أن تجد هدير وابنها مجتمعًا حنونًا يحتويها ويمنحها فرصة أخرى، ولمولودها فرصة أولى.

المصدر : ساسة بوست