«طريق الحرير».. حكايات سردية بالألوان
«طريق الحرير».. حكايات سردية بالألوان

يسرد النجم المصري محمد عبلة الكثير من الحكايات عبر ألوانه، في المعرض الأخير الذي افتتح بعنوان «طريق الحرير» في طبري آرت سبيس غاليري بدبي. تشعر مع لوحات عبلة بأنك أمام قاص يروي لك الكثير من الأحداث السياسية والحياتية مستعيناً بالشخصيات والرموز، الأمر الذي يجعل اللوحة الكولاجية لديه ذات أبعاد ثقافية وتاريخية أيضاً. يستند عبلة إلى الروايات الشعبية ليقدم أعماله، الأمر الذي يضع المتلقي على اتصال بالعمل، فيجد فيه ما يعكس جوانب ومشاهد من حكايات الشعوب والحضارات والبلدان.

• هناك جانب ثقافي لطريق الحرير أهم من الجانب الاقتصادي الذي نعرفه.

• يرسم عبلة بتقنية مختلفة عن غيره ويتعاطى مع اللون بأسلوب خاص.

سيرة لونية

ولد محمد عبلة عام 1953 بمدينة المنصورة في ، وهو يعمل ويتنقل اوضح القاهرة والفيوم في مصر والسرود في ألمانيا. تخرج في كلية الفنون عام 1973، وبعدها انطلق برحلة استمرت سبع سنوات، زار فيها المتاحف الفنية في إسبانيا وفرنسا وبلجيكا وألمانيا ودرس النحت الفني في فيينا وزيورخ. قدّم عدداً كبيراً من المعارض الفردية في بلدان عدة، منها، ألمانيا، هولندا، السويد، إيطاليا، مصر، الإمارات، الكويت. وقد حصل على عدد من الجوائز منها الجائزة الأولى في بينالي الكويت عام 1994، والجائزة الكبرى في بينالي الإسكندرية مصر عام 1997. كما شارك في الكثير من الفعاليات الفنية الدولية مثل بينالي هافانا في كوبا، والعديد من المعارض الجماعية في متحف كونستموسيوم في بون ألمانيا. وأسس محمد عبلة الكثير من المؤسسات الفنية التي تشكل نقطة وصل وترابط اوضح الفنانين محلياً وإقليمياً ودولياً، منها مركز الفيوم للفنون في مصر، وكذلك أول متحف كاريكاتير في الشرق الأوسط في الفيوم.

أميرة مسجونة في البرج، أو الحوار، أو الأمير، هي عناوين اختارها عبلة للوحاته ليرسم فيها الشخصيات بشكل أشبه بالواقع، فيقيم علاقة وثيقة اوضح اللوحة وعنوانها، ليجعل المتلقي يغوص في عمق المشهد، ويمعن في تحليله، وربما يستكمل الأحداث التي لم يوجدها النجم في اللوحة. يقدم عبر ألوان زاهية الطبيعة الملونة، والزهور المنتشرة، ثم لا يلبث أن يوجد بعض الرموز باللون الأسود، وكأنه يوجد مقارنة حتمية وحواراً أزلياً ما اوضح قوى الخير والشر. هذا الجدال هو انعكاس حقيقي للمعنى السياسي الذي يسعى النجم إلى ترجمته في اللون، فهو دائم البحث في قضايا الشعوب، وهنا نجده يدلل على الاضطرابات السياسية التي حدثت نتيجة طريق الحرير، وكيف أدت إلى عجز الحكومات عن معالجة القضايا والأزمات التي انتشرت في بلدانها.

تقنية خاصة يستخدمها النجم محمد عبلة، تسمى إبرو التركية، أو تعرف بالترخيم على الورق، إذ يعمل على نثر الألوان على الماء، ثم يلون الورق بالألوان، ليقوم بعد ذلك بقص الورق وابتكار لوحاته الفنية. هذه التقنية التي يلجأ إليها كصياغة أساسية للون، توجد في أعماله انسجاماً مختلفاً وخاصاً، فالفنان هنا، لا يرسم اللوحة بنسق أحادي الألوان أو حتى طبقات، بل نجد اللوحة متداخلة الألوان وتشكل ما يشبه الكرنفال الحقيقي، ولكنها في الوقت عينه تحث العين على التوغل في أعماقها لاكتشاف مزاياها. تمنح التقنية هذه اللوحات بعداً بصرياً، يجعل العمل قابلاً للتطور، فالفكرة هنا لا يمكن أن تتوقف مع عبلة، إذ نجدها صالحة للتوسع.

وعن معرضه الذي يستمر حتى 24 نوفمبر، صرح محمد عبلة لـ«الإمارات اليوم»، «منذ أربع سنوات سافرت إلى الهند، وهناك بدأت أهتم بالقصص والحكايات، ووقع اوضح يدي كتاب عن طريق الحرير، واكتشفت من خلاله أن هناك جانباً ثقافياً لطريق الحرير أهم من الجانب الاقتصادي الذي نعرفه، فبسببه تم اختراع العملات، والعقود، والصناعات، والعجلات والكثير من الحكايات المثيرة للاهتمام، قرأت مدة عامين الى أن شعرت بأنني أريد رسمه». وأعلن «المعرض في دبي ليس الأول، ولكن منطقة الخليج جزء من طريق الحرير، وقد عرض جزء من المعرض في القاهرة، واللوحات في دبي في مكانها الصحيح، وقد استغرق ما يقارب العامين، فهناك ستة أشهر في البداية للتفكير بالفكرة، ومع الرسم تكون استقرت».

وعن الحكاية في اللوحات صرح عبلة «ابتكرت البشرية الحكاية كي تقدم رسائل معينة حتى السياسية منها، وأحب الاستماع للحكايات، لكن حين أرسم لا أتذكرها، بل أرسم الأحاسيس والمشاعر التي بدورها تترجم لحكاية». وحول السياسة التي تدخل في حكاياته التي يرسمها، أثبت عبلة أن السياسة تدخل في كل شيء، وتحدد كل ما يحيطنا، منوهاً بأن بعض الفنانين يعبرون بشكل مباشر عن كل ما يحيطهم، ولكنه لا يحب المباشرة في العمل، بل يسعى ليوجد متعة في الحكايات التي يقدمها. ولم يخف عبلة اهتمامه الكبير بالسياسة، مشيراً الى أن مطالب الشعوب لم تتبدل عبر السنوات، وأن الناس تمارس السياسة للوصول الى معانٍ معينة ومنها العدل والمساواة، وأحيانا لا يمكن الوصول اليها الا عبر الحروب، ولفت إلى وجود مشكلات لم يكن من سبيل لحلها سوى بالحروب، فالحرب تكون عملية جراحية قاسية، والحياة تبدأ بعدها.

يعمل عبلة بتقنية مختلفة عن غيره من الرسامين، فهو يتعاطى مع اللون بأسلوب خاص، وعن هذه التقنية، صرح «أرسم على وجه الماء، أترك الألوان تطوف على الماء، ثم أترك الألوان تنتقل الى ورق الحرير، وبعدها أقص الأوراق وأصنع منها الكولاج على اللوحة». وأكد أن ألوانه تستمد الكثير من جو وبيئة الفيوم، إذ إنه في الفترة الأخيرة بدأ يرسم كثيراً في الفيوم بعد أن كان يرسم في القاهرة، موضحاً أن الإنسان مع العمر يصبح أكثر اتحاداً مع الطبيعة والبيئة.

المصدر : الإمارات اليوم