إعادة قراءة جماعة «الفن والحرية» السريالية في مصــر وآفاقها العالمية
إعادة قراءة جماعة «الفن والحرية» السريالية في مصــر وآفاقها العالمية
ملخص 3ddf36a9bc.jpg

معرض السريالية في هو أول تحليل شامل للأعمال الفنية والأدب والكتابات الناقدة حول السريالية. من خلال مخاطبة إرث المجموعة المفقود الذي غالبا ما يساء فهمه، وبالاعتماد على مجموعة كبيرة من الوثائق الأولية غير المنشورة سابقا ومقابلات ميدانية عديدة.

شهد مقر مسرح روابط بقاعة "تاون هاوس" الجمعة الماضية ندوة عن جماعة "الفن والحرية" تحت شعار "الانشقاق.. الحرب والسريالية فى مصر (1938- 1948)"، تحت إشراف القيمين الفنيين سام بردويل وتيل فيلرات؛ وهما منسقا معارض ومؤسسان مشاركان لآرت ريؤرينتد، بمدينتى ميونيخ ونيويورك، وجاءت المحاضرة في إطار عدة فعاليات عالمية مصاحبة ومتوالية لمعرض "جماعة الفن والحرية: الانشقاق والحرب والسريالية في مصر، من 1938 حتى 1948"، والذي أقيم  في المتحف الوطني الحديث - مركز بومبيدو في باريس في أكتوبر 2016، وقد تم عرضه في كل من المتحف الوطني مركز رينا صوفيا للفنون في مدريد، ومتحف كونستساملونج نوردراين ويستفاليا (ك20) في دوسلدورف بألمانيا، ومتحف التايت ليفربول بالمملكة المتحدة. ويختتم المعرض جولته الدولية في متحف مودرنا موسييت في ستوكهولم في السويد، حيث سيتم عرضه من 28 إبريل حتى 12 أغسطس 2018.

art-liberty-260x300

بدأ برنامج الندوة بكلمة ترحيب من "ويليام ويلز"، المدير التنفيذي لـ"تاون هاوس" جاليري مستضيف الندوة، لافتا إلى احتفال الجاليرى بمرور 20 عاما على إنشائه، وأنه أقيم بالأساس بهدف مساعدة الشباب والخريجين، ولفت "ويلز" الى أن العشر سنوات الماضية شهدت اهتماما متزايدا بالسيريالية حول العالم.

المحاضرة الافتتاحية كانت بعنوان: "جماعة الفن والحرية وإعادة صياغة السريالية في مصر" ولفت فيها "سام بردويل" إلى أنه في خضم الحرب العالمية الثانية، كانت المجموعات والجماعات الفنية ومقرها في القاهرة رائدة في أشكال الفنون الجديدة من خلال إقامة المعارض الهائلة المتصاعدة التي أرسلت موجات احتجاجية عبر الدوائر الفنية المحلية، حيث رفضت المجموعة التقارب اوضح الفن والقومية، حيث تم دمجها مع حركة سريالية معقدة ومتطورة وعالمية تمتد عبر مدن مثل باريس ولندن ومكسيكو سيتي ونيويورك وبيروت وطوكيو، وأنه في وسط ذلك خلقت جماعة "الفن والحرية" إعادة صياغة متميزة للسريالية، التي وفرت جيلًا من الفنانين والكتاب المصريين وغير المصريين المحبطين، من رجال ونساء على حد سواء، مع منصة للإصلاح الثقافي والاحتجاج، وهو ما يوضح مساهمة "الفن والحرية" بشكل كبير نحو تعريف جديد للسريالية، ويعيد كتابة تاريخها نفسه الذي يدعو إلى تعريف جديد للحركة يعكس رؤية شاملة لتاريخ الفن.

سام وتل

وأشار "بردويل" إلى صدور البيان التأسيسي لجماعة الفن والحرية والذي حمل اسم "يحيا الفن المنحط" في 22 ديسمبر 1938 لتمنح تلك الجماعة جيلا حيويا من الفنانين والمفكرين منصة للتعبير تعنى بالإصلاح الثقافي والسياسي تلاها مشاركة الحركة عالميا في مناهضة الفاشية والاستعمار إبان اندلاع الحرب العالمية الثانية والاستعمار البريطانى لمصر.

وأشار "بردويل" إلى أن الطبيعة العالمية "الكوزموبوليتانية" التى كانت تميز المجتمع المصري حين ذاك أسهمت في لعب جماعة "الفن والحرية" دورا فعالا ضمن شبكة من الفنانين والكتاب السرياليين، لتحقيق لغة تصويرية وأدبية معاصرة مشتبكة عالميا بنفس قدر رسوخها محليا متضمنة مصريين وغير مصريين، نشطاء سياسيين ولاجئين، مسلمين ومسيحيين ويهود وعلمانيين، ومواطنين من طبقات اجتماعية مختلفة، كما شهدت الجماعة موقفا نسويا قويا مؤيدا للمساواة اوضح الجنسين ومناهضا لاضطهاد المرأة.

وأشار "بردويل" إلى أن معرض السريالية في مصر هو أول تحليل شامل للأعمال الفنية والأدب والكتابات الناقدة حول السريالية. من خلال مخاطبة إرث المجموعة المفقود والذي غالباً ما يساء فهمه، وبالاعتماد على مجموعة كبيرة من الوثائق الأولية غير المنشورة سابقاً ومقابلات ميدانية عديدة.

لافتا إلى أن المعرض ينقسم إلى تسعة أقسام محددة، وأنه يسلط الضوء على جوهر اهتمامات وممارسات جماعة الفن والحرية، مبرزا المضامين والأفكار والاهتمامات الاجتماعية والسياسية لأعضاء الجماعة والمنتسبين إليها، كان من أهمها تقديم موقف الجماعة المتناقض مع المشهد القاهرى الموجود في ذلك الوقت والتأثير المباشر للحرب العالمية الثانية على المعتقدات السياسية واللغة الفنية لأعضائها.

وفي نهاية كلمته تحدث سام بردويل قائلا: "بعد حوالى 6 سنوات من البحث والتنقيب، صدر كتابي "السريالية في مصر: الحداثة والفن والحرية" وهو دراسة أكاديمية شاملة مؤلفة من 350 صفحة حول الموضوع مع 110 رسومات توضيحية ومجموعة من الوثائق الأولية والمخطوطات والمراجعات والمراسلات غير المحررة، وهو صادر بخمس لغات (العربية والفرنسية والإنجليزية والألمانية والإسبانية)".

وأنهى حديثه بتوجيه الشكر لكل من قدم دعمه لإقامة المعرض وطباعة الكتالوج: المجلس الثقافي البريطاني، معهد جوته، المعهد الفرنسي في مصري، تاون هاوس جاليرى، ورجل الأعمال ياسر هاشم.

كما عقدت طاولة مستديرة بعنوان "جماعة الفن والحرية: المنظورات السياسية" شارك فيها: المؤرخ والكاتب المترجم بشير السباعي وأشرف كامل، نجل النجم أنور كامل أحد مؤسسي جماعة الفن والحرية، وسام بردويل، منسق معارض ومؤسس مشارك لآرت ريؤرينتد، ميونيخ ونيويورك، وأدار الحوار محمد الشاهد، منسق معارض ومؤرخ لتاريخ العمارة، القاهرة.

حيث ألمح نجل النجم أنور كامل إلى وجود علاقة طيبة جمعت والده بالمجتمع المحيط به، حيث إنه كان ديموقراطيا طيب القلب يعاون الجميع رغم أن الوضع السياسي في ذلك الوقت كان مليئا بالقهر والتعسف، وأشار إلى عدم وجود أي اختلافات في أعمال والده النجم أنور كامل فترة ما قبل تأسيس "جماعة الفن والحرية" وما بعدها وأنه مجرد تراكم فنى متصل.

أما المؤرخ بشير السباعي فقد ألمح في بداية حديثه إلى أهمية معرض السريالية والكتاب في التعريف بتاريخ السريالية المصرية والتعريف بالعلاقة بينها واوضـح السريالية العالمية، لافتا إلى أنه لا يمكن فصل المناخ السياسي الموجود في مصر والعالم خلال ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي عن المجال الفني والثقافي، وأن الحركات الثقافية موجودة حينها كانت ترى أن الحل الجذري للمهام القومية لا تتم إلا من خلال الاشتراكية، لافتا إلى أن اليسار المصري كان مزدهرا بالإسكندرية وأن النجم أنور كامل كان ذا فكر "أناركي" - ا سلطوي يرى تحجيم تدخل السلطة فى سلوك العلاقات الإنسانية- في حين كان النجم جورج حنين "تروتسكى" -نسبة إلى ليون تروتسكى القائد الروسى الشهير- وهو ما يؤكد وجود اختلافات فكرية فردية فيما اوضح أعضاء جماعة "الفن والحرية".

جاءت الطاولة المستديرة الثانية تحت عنوان "نظرات إلى دواخل معرض جماعة الفن والحرية"، شارك فيها: دوريس كريستوف، منسقة معارض بمتحف الفن الحديث ك20، في دوسلدورف بألمانيا، تامار هيميس منسقة معارض في متحف التايت بمدينة ليفربول بالمملكة المتحدة، فيرونيك سورانو مديرة قسم الترميم بمركز بومبيدو في باريس، ومي الديب مقتنية فن من الإسكندرية، وأدار الحوار تيل فيلرات، منسق معارض ومؤسس مشارك لآرت ريؤرينتد بمدينتي ميونيخ ونيويورك. 

في البداية تحدثت "كريستوف" عن ترتيب معرض جماعة "الفن والحرية" والذي أقيم هناك في الفترة ما اوضح يوليو وأكتوبر 2017 وتم بطريقة تبرز في المقدمة موقف الجماعة الفنية المناهض لقمع الحزب النازى لتيار الطليعيين من الفنانين والكتاب، حيث وضع البيان التأسيسي للجماعة "فليحيا الفن المنحط" في موقع مركزى بارز في مدخل المعرض بجانب جدارية تصور الجماعة مع ترجمة إنجليزية وألمانية ضخمة، وسلطت الضوء على تضامن السرياليين في مصر مع المصنفين فنانين "منحطين" من قبل ألمانيا النازية.

أما "تامار" فأشارت في حديثها إلى الزخم الفني المصاحب لإقامة معرض السريالية في المملكة المتحدة خاصة أنها ترى العالم مدينة صغيرة، فما يحدث في مصر أو في أي دولة في العالم يؤثر في داخل المملكة المتحدة والأمر معكوس أيضا، وأشارت إلى أن المعرض فرصة لقراءة التاريخ الفني للسريالية العالمية وربط أحداثه ببعضها، وأن المعرض وزيارتها لمصر أعادت وصححت قراءتها واستيعابها للمشهد الثقافي والفكرى المصري، بعيدا عن الصورة النمطية عنها في العقلية والفكرية الغربية.

كما استعرضت "فيرونيك" الخطوات والتقنيات التى تم تنفيذها في مركز "بومبيدو" في فرنسا لترميم الأعمال الفنية المشاركة في المعرض لاستعادة رونقها وإزالة أي تشوهات أو ترميمات خاطئة تمت في السابق أو كانت بسبب فعل الزمن أو سوء التخزين وغيرها.

وفي نهاية الجلسة تحدثت سيدة الأعمال "مي الديب" عن معرض السريالية ومساهمتها فيه بخمسة أعمال من مقتنياتها، موجهة الشكر للقيمين الفنيين "سام بردويل" و"تل فلرات" لما قاما به من مجهود في البحث والتنقيب حول السريالية المصرية والتواصل مع المتاحف والجهات المتنوعة، وأيضا مع ورثة الفنانين وحتى مع المقتنين من أصحاب الملكيات الخاصة للخروج بالمعرض في هذا الشكل اللائق، مشيرة إلى لقائها الأول منذ أعوام بـ"بردويل" في تركيا وطلبه منها المساهمة في المعرض وهو ما رحبت به.

المصدر : التحرير الإخبـاري