ما الذي ستتمخض عنه المفاوضات السورية في أستانة؟
ما الذي ستتمخض عنه المفاوضات السورية في أستانة؟

ما الذي ستتمخض عنه المفاوضات السورية في أستانة؟

لا نعرف كيف توافق الطرفان الروسي والتركي على اختيار مدينة أستانة، عاصمة كازاخستان، مكانا للمفاوضات السورية، لكن من المؤكد أن للطرفين أسبابهما الوافرة لهذا الاختيار، فروسيا تعتبر كازاخستان، التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفييتي قبل انهياره، حليفة موثوقة، وفوق ذلك فإن القومية الروسية نسبة تقارب 25٪ من مواطنيها (70٪ بالمئة من السكان مسلمون وأغلب الـ30٪ الباقون مسيحيون مع أعداد قليلة من اليهود والبوذيين)، بينما يجد الأتراك في كازاخستان (كازاخ كلمة تركية تعني الحرّ وبالتالي فالبلد هو «وطن الأحرار») عشرات العلاقات التي تربطهم بتلك المنطقة التي تعتبر منشأ البدو الأتراك الذين انساحوا وصولاً إلى تركيا نفسها وشكّلوا عالماً لغويّاً وثقافيا كبيراً يتوزع على العديد من البلدان، أما اسم أستانة فهو الاسم الجديد لعاصمة البلاد ولكنه أيضا أحد الأسماء القديمة التداول (والتي كان يستخدمها مواطنو الدولة العثمانية العرب) لمدينة إسطنبول.


بهذا المعنى فإن اختيار بلد هو حصيلة اجتماع تاريخ الامبراطوريتين الكبيرتين لروسيا وتركيا محمّل بالدلالات التي ترضي الطرفين، وهو قد يكون رافعة تفسير للمعنى الحقيقي للمفاوضات الجارية في سوريا.


تفيد هذه الخلفية في قراءة ما وراء التفاصيل التي يمكن أن ينشغل بها المفاوضون السوريون، سواء كانوا من النظام أو من المعارضة، ويمكن أن تجعلهم أكثر قدرة على استيعاب ما يحصل في تلك المفاوضات والحدود التي يأملونها منها أو التي يرغبون في ربحها على الطاولة أو في ميادين القتال.


لا بأس مع ذلك، من تفحّص هذه الفرضية مع مجريات ما يحصل حاليّاً على الأرض السورية وفي كواليس السياسة بين موسكو وأنقرة (ومن خلفهما طهران والسعودية ودمشق وعمّان والقاهرة… وواشنطن وتل أبيب!)، فالواضح أن موسكو تحاول تعزيز قبضتها على قوات حليفها بشار الأسد وموضعة نفوذ القوّات التي تقودها إيران ضمن التسوية الجارية، فيما تقوم تركيا بضبط حدودها مع سوريا وإبعاد شبح الدولة الكردية التي كان هيكلها العظميّ يتشكل بسرعة خلال فترة إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما والإشراف على هندسة جديدة للنظام في سوريا تتضمن مصالح المكوّنات الاجتماعية والعسكرية والسياسية المعارضة.


التجاذبات الحاصلة حاليّاً تقول إن الأتراك يتجهون أكثر فأكثر نحو الصيغة الروسية لعسكرة المفاوضات، بمعنى وضع الفصائل المسلحة وجهاً لوجه مع النظام، واذا كان هذا قد يضمن تنفيذاً أوسع للاتفاقات على الأرض فإنه يفقد المعارضة السورية خبرات الهيئة العليا للمفاوضات، كما يفقد الائتلاف السوري المعارض (وهو تشكيل يمثل تجمع الأحزاب والحركات السياسية السورية التي ناضلت لعقود ضد النظام) وزنه الدبلوماسي ومصداقيته التي تعترف بها الكثير من الدول، كما أنّه سيشكل اختلالاً للعلاقة مع الدول العربية الداعمة لهذه الهيئة، وخصوصاً السعودية وباقي دول الخليج العربي.


الردّ على هذا قد يكون القول إن غياب تمثيلية الدول العربية الداعمة للمعارضة السورية يقابله غياب تمثيلية إيران، وهو يعني قبولاً اضطرارياً بتفويض الدول العربية لتركيا في تلك المفاوضات، يوازيه قبول إيران بتفويض روسيا.


أغلب الأطراف السياسية السورية المعارضة لا تتوقع أن يتمكن اجتماع أستانة المقبل من تحقيق خرق كبير في مجال المفاوضات بين النظام والمعارضة، وترى أن مباحثات أستانة قد تتمخض عن اتفاق مبادئ يمهّد لاجتماعات جديدة على الحلبة الدولية في جنيف.
يبقى القول إن المفاوضات بين روسيا وتركيا ستسعى لتمثل مصالح شبكة حلفائهما على الأرض السورية، ولكنّها، بكل المعاني، ستكون مفتاح مفاوضاتهما أيضاً على التاريخ والجغرافيا والسياسة في أوراسيا وليس في سوريا فحسب.

 

المصدر : البوابة نيوز