الفرد – الناخب بين تأثير الحقائق الزائفة وتصادم السلطتين الأخلاقية والرسمية
الفرد – الناخب بين تأثير الحقائق الزائفة وتصادم السلطتين الأخلاقية والرسمية

عبادة الجهل ونهاية الحقيقة ومعاداة العقل والعلوم أهم التحدِّيات التي تقيّد خياراته

 

استنساخ تجربة الحقائق الزائفة  كان أكثرها على مستوى الملفات الحياتية  في الكهرباء والنفط والاتصالات،  كما على مستوى نقاشات قانون الإنتخاب

 

يختزل المقال الذي نشره أخيرا توماس فريدمان في «نيويورك تايمز» الكثير مما يصيب العالم من ذعر، بفعل تخثّر المفهوم الأخلاقي على مستوى ممارسة الحكم والتقصد في تشويه الحقيقة وإستبداله بالحقائق الزائفة بغية تحقيق التكسّب السياسي (الإنتخابي!)، ونتيجة تفشي الخلافات الطائفية والمذهبية والعرقية، معطوفة على تصادم كتل بشرية (65 مليون نازح في العام 2016) تنتقل من مناطق الى أخرى أكثر تحضّرا أو تبدّلا أو أماناً هربا من عوز أو حروب، وما تأتي به، في أحيان كثيرة، من غيتوات وسوء فهم متبادل وتوتر وصدام ثقافي – مجتمعيّ!

 

يقول فريدمان: «أخشى أننا نشهد الآن نهاية الحقيقة، لدرجة أننا لم نعد قادرين على الاتفاق حول الحقائق الأساسية. وأخشى أن نتحول إلى سنة وشيعة في أميركا، (ديمقراطيين وجمهوريين) فالطائفية التي دمرت دولاً وطنية في الشرق الأوسط، تنتقل عدواها إلينا الآن». وينقل عمّن سمّاه «معلمي وصديقي»، وهو دوف سيدمان، المدير التنفيذي لشركة LRN التي تساعد الشركات والزعماء على بناء ثقافات أخلاقية، قوله إن الولايات المتحدة تواجه «أزمة كاملة في السلطة ذاتها»، واضعا خطا فاصلا – حد الانفصام – اوضح «السلطة الرسمية» و«السلطة الأخلاقية»، «فالقادة الذين يتمتعون بسلطة أخلاقية يعرفون ما الذي يمكنهم طلبه من الآخرين، وما الذي يجب أن يبثوه من إلهام، كما يفهمون أن السلطة الرسمية يمكن كسبها، لكن السلطة المعنوية يجب اكتسابها يومياً من خلال الطريقة التي يقودون بها». كما أن القادة أصحاب السلطة الأخلاقية «يثقون في الناس من خلال إمدادهم بالحقيقة، سواء كانت مشرقة أم قاتمة، ويتحركون انطلاقاً من قيم (خصوصا قيمة التواضع) ومن خلال مبادئ مثل الاستقامة، تمكنهم من عمل الأشياء الصائبة، وخصوصاً عندما تكون هذه الأشياء صعبة وغير مرغوبة، كما يجندون الناس من أجل قضايا نبيلة».

 

وسبق للأميركي ريتشارد هوفستادتر، الحائز جائزة «بوليتزر» عن كتابه Anti- Intellectualism in American Life، أن تحدث بإسهاب عن كيفية غرس الأسس الكامنة الواسعة لمعاداة النخبة ومعادلة العقل ومعاداة العلوم في النسيج السياسي والاجتماعي الأميركي، في حين تكلّم إسحق أسيموف، كاتب روايات الخيال العلمي، على نزعة «عبادة الجهل» في الولايات المتحدة، وهذه النزعة «مسار متواصل يشق طريقه عبر حياتنا السياسية والثقافية، بدفع من المفهوم الخاطئ بأن الديمقراطية تعني أن جهلي جيد بقدر معارفك».

 

أما السناتور الأميركي الراحل دانيال باتريك موينيهان فسجّل تراجعا مطّردا في منذ عقود عدة في معايير تعريف الغباء من خلال مزيج من القوى التي تتعذر مقاومتها، منها إنتصار ثقافة الفيديو على الثقافة الورقية وإنصهار معاداة العقلانية مع معاداة الفكر.

 

يصلح كل ذلك الكلام وتلك الإقتباسات، لأن تُسقَط على الواقع اللبناني، فيتبيّن جليّا أن ما كنا نعتقده فرادة لبنانية على مستوى الممارسة العرجاء والمشبوهة واللاأخلاقية في السلطة والانسلاخ عن الواقع ونبذ الحقيقة ورذلها، ما هو إلا نموذج معمّم في ما يُعتقد أنها أهم الديمقراطيات في العالم، مع فارق وحيد، ربما، يتمثّل في أن صنّاع الرأي العام الأميركي والمؤثرين في توجهاته، لا يجدون بدا من وضع الملح في الجرح بغية خلق تلك الصدمة المؤلمة التي من شأنها أن تخلق بداية وعي عام بضرورة رذل الواقعية السياسية التي يستخدمها القادة لا أخلاقيا، بلا قيود، بلا حسيب، في سبيل تحقيق مرادهم، تماما كما يعمد كثر من هؤلاء القادة (جنبا الى جنب مع بدعة ما يُعرف بالمؤثرين Influencers) على توظيف شبكات التواصل الاجتماعي والقرصنة الإلكترونية لنشر الحقائق الزائفة.

 

تميل الطبقة السياسية اللبنانية، باستثناء قلّة تجهد لتحقيق الصدمة المؤلمة وتطوير النظام وتحديثه عنوة في كثير من الأحيان، الى إستنساخ تجربة الحقائق الزائفة، وقد شهدنا منها الكثير في الآونة الأخيرة على مستوى الملفات الحياتية، في الكهرباء والنفط والإتصالات وسدود المياه على سبيل المثال، تماما كما على مستوى الملفات السياسية، ولا تزال ماثلةً النقاشات التي جرت في قانون الإنتخاب وعلى هامشه. وغالبية مثيري هذه الملفات حمّلت خطابها قدرا كبيرا من الرياء والتشويه بغية تظهير الحقائق الزائفة، واستطرادا التلاعب في عقل الفرد – الناخب والتأثير في توجهاته، وصولا الى تقييد حريته تحت وطأة كل هذا الرياء والتشويه. وما كان لهذا الفرد – الناخب أن يقع فريسة تلك الوطأة، لولا تفشي عبادة الجهل (إسحق أسيموف) وتقصّد طبقة سقيمة غرس أسس معاداة النخبة العقل والعلوم (ريتشارد هوفستادتر)، والتراجع المُطّرد في معايير تعريف الغباء (السناتور موينيهان). أما الانفصام الإنشطاري، الواقع لبنانيا، اوضح السلطة الأخلاقية والسلطة الرسمية (دوف سيدمان) فتلك مسألة المسائل!

 

 

المصدر : التيار الوطني