أوهام الوطن وأوهام الحرية
أوهام الوطن وأوهام الحرية

في تلك الرقعة الجُغرافية التي خط المُسْتعمر حدودها، يُسجن شعب وتُدجن أجيال، ما يسمونه رئيس البلاد ما هو إلا آمر السِّجن، والوزراء ما هم إلا وكلاء أقسام تحت مسميات مستعارة، وزير الاقتصاد، وزير العدل…إلخ. و ما المجال الجغرافي لما يسمونه تَمويها بالولايات والأقاليم سوى أقسام داخل السجن الكبير، وداخل السجن يتفاضل النزلاء بنوع الجريمة التي ارتكبوها، إذا كنت بريئا، فأنت في أسفل المراكز ويتم وضعك في أحقر الأماكن، وهكذ ترتفع قيمة الفرد بنوع جريمته.

بالتحرك داخل السجن، يوهموننا بأننا أحرار، لكن ما إن يحاول أحدنا الخُروج منه، حتى يدرك الحقيقة، إنه سجين وله رقم وطني، ولا يمكنه الخروج، إلا بتصريح من الإدارة، ولا يمكنه استقبال زائر آخر من سجن آخر، إلا بتصريح أيضا.

في السجن يمكنك تعلم كل شيء، ولكن عليك أن تُحدد أولا ما تريد الوصول إليه، وأخْبر به حُراس السجن، وانظر هل أحلامك مشروعة؟ أم لا، كي لا تُضيع عُمرك في الركض خلف سراب.

في السجن، إذا كنت ممن يطمحون للوصول إلى أعلى المناصب، فتعلم درسا واحدا فقط، كيف تُمجد الرئيس؟

قل إن فيه حكمة أبي بكر وعدل عمر وحلم عثمان وشجاعة علي، ادعوا له بِطول العمر وطول شيء آخر، تملق نافق اشتري حنجرة أو استعرها لا فرق المهم أن يسمع آمر السجن صوتك، وتأكد أن من يحيطون به يستأثرون به عن الآخرين كي لا يدخل أي منافق جديد بينهم.

في السجن يوهموننا بأننا نتمايز بالألوان والشرائح الاجتماعية، لكن الحقيقة تخبرنا عكس ذلك، نحن نتمايز بأشياء أخرى واضحة، بأن كل القيمين على السجن والطابور الخامس التابع لهم من فقهاء ومخبرين وغَيرِهِم، هُم من يحِق لهُم العيش بكرامه وكل المساجين يصارعون للبقاء على قيد الحياة.

وأول الأوهام كان رغيف الأمل الذي رموه لكل سجين، بداية من طريق الأمل، مرورا بالبرامج الاقتصادية دكاكين أمل والديمقراطية التشاركية شباب الأمل، وصولا للنشيد الوطني ونكسو رباها بلون الأمل، حتى ظهر لدينا حزب الأمل، وكل تلك المسميات ليستْ سوى فُقاعات من الأوهام يطلقونها في سماء السجن فيمضي النزلاء دهرا في مراقبتها، وكلَّما بهتت فقاعة أطلقوا أخرى.

الأدهى والأمر هو ذلك الطابور الخامس الذي يحاول أن يقنعك بأنك مواطن حر، الفقيه يحرك فيك العواطف الدينية بخطبه الرنانة عن التقوى والتوكل، يقتطع النصوص كي يقنعك بأن تعمل لآخرتك كأنك ستموت غدا، كما يقتطعها القانوني ليطبق العدل على الضعيف ويفلت القوي من العقاب، ومن خلف الجميع جيش من المدونين على الإنترنت، يعملون على تلميع نظام السجن، وأن كل ما يحدث داخله من اغتصاب للحقوق الطبيعية لكل سجين، فَبْركة قام بها أعداء الوطن، يقصدون السجن، لتشويه صورة النظام أمام العالم، حتى تبدأ تشك في عينيك اللتين رأيت بهما ما حدث وتبدأ في تصديق كلامهم المفبرك.

في السجن كل شيء أوهام في أوهام، المدارس والجامعات مجرد مؤسسات لتعليم الجهل وترسيخ ثقافة القبيلة والعشيرة، ويظهر ذلك جليا من خلال تهميش المعلمين والأساتذة، والغاية دائما هي خلق جيل جديد مُستسلم للسلاسل والأغلال التي وُضعت في مصيره، جيل جديد كل همه في الحياة أن يصل إلى قبره بسلام، جيل يئس من الحياة ومن السياسة ومن المستقبل، جيل انهزامي لم يعتبر لديه أي حس بوطنه وقضايا أمته.

أيها المساجين انهضوا، افتحوا صفحات تاريخكم المشرق وخذوا منه الدروس والعبر، ارفعوا رؤوسكم إلى الأعلى حدقوا في غيوم الحرية تلك التي ستمطر على كل سجن قريبا، وتنبت الأرض أجيالا تعيد للأمة مجدها، فقط عليكم أن تزرعوا البذور.

المصدر : ساسة بوست